عبد الملك الجويني
16
نهاية المطلب في دراية المذهب
أوقات الصّلوات ، وإِنما اضطربت المذاهب في صلاة الصبح ووقت الأذان لها ، كما سيأتي ذلك ؛ فالوجهان اللذان ذكرهما الشيخ ضعيفان جداً . والوجهُ الثالثُ : ذكره صاحب التقريب ، وهو الأقربُ ؛ وذلك أَنَّهُ قال : معنى المبادرة أن يتشمر الإِنسان لأسباب الصّلاة عقيب دخول الوقت ، بحيث لا يعد متوانياً ولا مؤخراً لها ، والطهارةُ والأذان والإِقامة من الأسباب . ثم قال : " لو وقع في شُغل خفيف من أكل لُقَم أو مخاطبة إِنسان من غير تطويل ، فهذا مما لا يفوّت الأوَّليّة " . ورأيتُ الطرق مترددة في إِيقاع التستر بعد الدخول . فألحق العراقيون التستر بالطهارة ، ولم يَعُدُّوا الاشتغال بها مفوِّتاً للأوَّليّة . وكان شيخي يناقش في هذا من أجل أن فريضة الستر لا اختصاص لها بالصلاة ، ولست أرى على الوجه الذي ذكره صاحب التقريب لهذا معنى ؛ فإِنَّه صار إِلى أن التناهي في التضييق لا أصل له في تفويت فضيلة الأولية ، كما ذكرناه الآن ، وليس الزمان الذي يتأتى الستر فيه مما يُنهي الأمر إِلى مجاوزة التقريب في ذلك . 655 - وعلى الجملة [ أسوتنا ] ( 1 ) في ذلك كله ما كان يعتاده السلف الصالحون المبادرون لإِقامة الصلوات في أوائل الأوقات ، والكلام في مثل ذلك ينتشر ، ونحن نحاول ضم النشر ما أمكننا ، فنقول : الأذان والإِقامة معتبران بعد وقت الصلاة ، وكذلك الطهارة ، وكل ذلك من غير تطويل بيّن ، ولا تكلّفِ عجلةٍ على خلاف الاعتياد ، ويعتبر أيضاً تقديم السنن التي قدّمها الشرع على الفرائض ، ثم ما لا يدخل في الحس دخولاً ظاهراً ، ولا يؤثر في إِظهار أثر التأخير إِلا للراصد الحاذق ، فذاك لو وقع ، فغير مؤثر في تفويت الفضيلة ، وأكل لقمة يكسر بها ( 2 ) شهوة الجوع ، والتستر مع قرب الثوب من هذا الفن . ثم الذي يتجه في ذلك أن وقت الفضيلة إِن انقسم إِلى الأفضل والفاضل ، لم يبعد ، فالذي يترك الأذان والإِقامة والستر لا يصير بهذا البدار حائزاً للأفضل ، وإِنما تتلقى
--> ( 1 ) في الأصل : أسلوبنا . والمثبت من : ( ت 1 ) . ثم جاءت به ( ل ) أيضاً . ( 2 ) في ( ت 1 ) : يسكن سَوْرةَ الجوع .